لم أنكر يوماً حسن ظنّي بالفلسفة، ولكن المفاضلة بين هذه العرّابة وبين الرواية، هو ما لم يخطر لي على بال. فأن نعمد إلى تسويق الفلسفة، كترجمانٍ لأبٍ صارم وعبوس وهو العقل، لن يعني أننا نجحف، في صفقة الوجود، حقّ أُمٍّ رؤوفٍ، كانت دوماً ترجمان الإحساس، كما الحال مع جناب الرواية، ذلك أن واقعنا الإنساني هو ما يضطرّنا، أحياناً، لأن نستبعد الرواية من المشهد، لنستجير بالفلسفة، لا لأفضليّة الفلسفة في المعدن، ولكن لمواهبها عندما يتعلّق الأمر باستخدام الخطاب كحُجّة. أي في التعبير عن الموقف، في بُعده المباشر، إزاء البلايا، التي كثيراً ما تحيق بواقعنا الحرفيّ، سواء أكانت أوبئة، أو حروباً، أو كوارث طبيعيّة. وهو ما يعني أننا مجبرون، في وضع طاريء كهذا، على أن نتخلّى عن زهدنا التقليدي، كملّة اعتادت أن تتعاطى أفيوناً فاتناً، هو في العرف السائد دوماً ترف، كما هو الحال مع استعمال الاستعارة، لنضطر لاستبدال أسلحتنا، باللجوء إلى الإدلاء بشهادتنا في حقّ المصاب، معتمدين ناموساً بارداً هو، في المفهوم، لسان الفلسفة، كما الحال مع: العبارة.

وهي عمليّة تبدو تقنيةً، في شأنٍ ذي علاقة بموقفنا من الحقيقة، لأن التضحية بالإنشاد الوجداني، المشفوع بروح الغناء، قربان جسيم، لم يكن القبول به متاحاً لولا وسواس الإحساس بوجوب أداء الواجب، نحو واقعٍ، يستجدينا الخلاص بالنداء العاجل، لا الآجل.

وأحسب جازماً أن الصواب ليس في أن نفتّش عن العوامل التي تغرّب الفلسفة عن الرواية، ولكن في أن نستكشف القواسم المشتركة بين هذين القطبين. فأيّة رواية هذه الرواية التي لا تعتنق الفلسفة ديناً؟

كم ستكون الرواية ترفاً خاوياً في حال تمرّدت على سلطة سلطان إسمه الفلسفة؟ فالتجربة برهنت منذ ما قبل التاريخ أن الرواية لا تستطيع أن تتباهى بهوية الرواية حقّاً، ما لم تكن ناطقاً مفوّضاً، بل ومفوّهاً، باسم الفلسفة. هل كنّا سنعترف بمرجعيّة جلجامش، لو لم تنطق بحُجّة الفلسفة؟ ماذا سيبقى من الإلياذة أو الأوديسة أو الإنياذة أو كل الأعمال الروائية، أو الملحمية الكلاسيكية، في حال جرّدناها من حجر حكمةٍ إسمه الفلسفة؟ ألم تكن محنة الرواية العربية في اعتناق دين الأدلجة، بديلاً للإيمان بدين الفلسفة؟ أليست الفلسفة هي التي تمنح هوية للرواية، لكي تجرؤ على تبنّي منزلة الرواية؟ ما هي الأسطرة، كعنصر لعب دوماً دور البطولة في شخصية الرواية، إن لم تكن كلمة الفلسفة، في حق الفحوى، كل ما هنالك أنها مموّهة بأقنعة الاستعارة؟   كم كان النزال بين نزعة الأدلجة وخصمتها الفلسفة، هاجساً في تجربتي الأبيّة مبكّراً. ففي الوقت الذي انتصرت فيه للفلكلور في مداخلتي في أوّل مؤتمر لأدباء ليبيا الملَكيّة عام ١٩٦٨، ليقيني بدوره في صنع الأمثولة، كعتبة أولى في سلّم الميثولوجيا، كخطاب فلسفة، بقدر ما ساءني غياب الرؤية الفلسفية في أدبنا الروائي، لأستصدر في حقّه الإدانة مرّتين: الأولى في مداخلتي حول «الإبداع ومشكلة الأيديولوجيا» في المؤتمر الثاني لأدباء ليبيا مطلع ١٩٧٣، ثم في مؤتمر الأدباء العرب، المنعقد في طرابلس عام ١٩٧٧، المكرّس لمشكلات الأدب العربي المعاصر. وها هو العمر يناهز الستّة عقود من بدء هذه المسيرة، و،ما زالت مشكلة الرؤية الفلسفية في الرواية العربية قائمة، بل مستفحلة. فهل الغاية من إبداع رواية هو تحقيق المتعة الجمالية كما يروّج الكثيرون في عالم اليوم، لا في هويّته العربية وحدها، ولكن في واقع الغرب أيضاً؟

التحدّي يقول أننا ننزف روائياً لا لكي نكتفي بالمتعة الجمالية ، ولكن لكي نحقق غنيمةً أعظم شأناً وهي: الحرية!

وهي الحرية التي لا تتحقق بدون تدخّل جراحي عصيّ مترجم في حرف الفلسفة، القادرة  على تولّي دور العرّاب، الذي يوقظ فينا ذخيرة الوعي بحقيقتنا، المغتربة عنّا، بموجب إدماننا أفيون مميت هو باطل الأباطيل. وطبيعي أن يتعلّق الأمر بالحقيقة، عندما تكون الحرية، في المعادلة، رهاناً؛ لأن لا وجود لرؤية لوجودٍ، لا يحتلّ فيه التفلسف عرش الريادة. أوَ لم تكن الفلسفة بوصلة القياس، وقرون استشعار، لكل ما متّ بصلة لجناب الحقيقة؟ هل تجرؤ الرواية على الإستهتار بالحقيقة، لتبرير احتكارها لقيمة هي الجمال، الذي تنتدبه كبديل لأية قيمة، بما في ذلك قيمة القيم، التي لن تكون سوى الحقيقة؟

فعندما نقول أن الرواية هي مادّة الوجود، في صيغتها الخام، قبل أن تتشكّل في طينة ذات شخصيّة، فإن هذا سيعني أن الرواية ستبقى فطرةً هشّة، ما لم تمسسها بصمة سحريّة هي العقل، مُترجَماً في بُعْد الرؤية الفلسفية. وهو ما يعني أيضاً أن الفلسفة هي الوصيّ، المخوّل بأن يجود على الجنين بالإسم، لأن ما لا إسم له، هو ما لا وجود له، في منطق واقعنا البشري.

فالرواية، في النهاية، حملة تحريريّة، نتطهّر فيها من آثامنا، الحقيقة في مسيرها كنزٌ جنيء، لا ينجلي في واقعنا، ما لم تهرع لنجدتنا الرؤية، المترجمة في حرف حجر حكمةٍ هو: الفلسفة. فبقدر ما الرواية حجب، بقدر ما الفلسفة كشف. رأسمال الرواية ذخيرة مستبطنة، مضمرة، مغيّبة عفواً لا عمداً، أمّا رأسمال الفلسفة فذخيرة مستظهرة، معلَنة، مستفضَحة بقانون هو الرؤية؛ الرؤية التي لا تعترف بهيمنة الأقنعة، فتجاهر بما استخفى، فتمزّق الستور لاستجلاء الحقيقة المغتربة. وهي لا تركن ليأس، ولا تستسلم في هوسها بالاستكشاف، حتى في حال مُنيت بهزيمة وأخفقت، ليقينها بحقيقة الحقيقة كخصم كلم، ليقينها بطبيعة الحقيقة التي لا تؤمن بتصريح، ولا تعترف بحجج القول، لأنها عنقاء مُغرب يستحيل الإيقاع بها بخاخ اللغة، لسببٍ بسيط هو الانتماء، لا إلى وطن الأسافل، حيث تسرح المرئيات، ويمارس الطغيان جلّاد إسمه الظاهرة، ولكن الإنتماء إلى وطن الرؤى السماوية، الذي يسكن البعد الضائع في لغزٍ هو الوجود. ولأن قرون استشعار الوصيّ هو الرؤية، والرؤية موهبة من صنع عدسة سحرية إسمها العين، التي ينعتها المتن المقدّس بأنها الحاسّة التي لا تملّ من النظر، فإن معدنها الاستماتة في النظر، استماتة تنامت في تحديقٍ مزموم في سيماء الأبدية، لتعود من الغيوب بغنيمة لم تكن لتخطر على بال، استطاعت بمواهبها أن تستبدل الرؤية الحرفية، بالرؤية الغيبية، لنرثها في أدبيات اللاهوت باسمٍ جليل حق له أن يكون رديفاً للنبوّة، هو: الرؤيا!

بالرؤيا أفلحت الحكمة في أن تتنصّل من دنس الحضيض الأرضي، لتستدرج الحقيقة من فراديسها في البعد المفقود.

فالفسفة هي الرؤيا في حقّ الوجود، وليست مجرد رؤية في واقع هذا الوجود.

فالحكمة ليست في أن نفاضل بين هذين القطبين، ولكن في أن نصالح بينهما، بما يؤدّي إلى عقد صفقة حلف، ليقينٍ مسبق بإفلاس أي رواية اغتربت فيها الروح الفلسفية، لتغدو، بهذا الإفلاس، ترفاً، لغواً، ثرثرةً، تقريراً مبتذلاً عن حال تلك المادّة الخام، التي حاولنا أن نستزرع فيها بذرة جنينية، كي تستوي في كينونة حيوية، علّها تستعير طينة ذات شخصيّة. وهو ما لن يحدث بغياب التعويذة الفلسفيّة، لأنها هي الشفيع المفوّض برسم خريطة الوجدان في المروية. وبرغم ذلك لن نعدم العثور على قاسم مشترك بين الخصمين، في حال اعترفنا بالموقف من الموت، كقيمة هي حَكَم في حقّ الطرفين، لأن الموت هو هاجسهما، بل وملهمها، وعلّ النزعة العدميّة المشتركة لكليهما، هي التفسير المنطقي لعجزهما، إزاء الموت كأحجية أحاجٍ.

ففي حين تتباهى الرواية باعتناق دين العواطف في العلاقة مع الوجود، تتباهى الفلسفة بالحبّ أيضاً، ولكنه حبّ من جنس مختلف، مستعار من المفهوم الإغريقي، المترجم في تركيب مفردة «فلسفة»، التي لا تعني، في الأصل، مجرد «حكمة»، ولكن «حبّ الحكمة». أي أنه حبّ من حيث المبدأ، ولكنه ليس حبّ العاطفة، الذي تتغنّى به الرواية، ليس حبّ الحسّ، الذي تتبنّاه الرواية في ناموسها معبوداً؛ ولكنه حبّ من طينة أخرى، حبُّ سامٍ، حبّ الواجب، حبّ الحقيقة، حبّ المعبود، الذي انتدبته اللغة من معجم أسماء الله الحسنى، لتنصّبه صفة دالّة على الحكمة. هنا لن نضمن ألّا ينشب فتيل النّزال مرة أخرى بين الفريقين. ففي عُرف الحكمة ما يجب أن يُحَبّ هو الحقّ، هو الله، لا لأنه الينبوع الذي يفيض حبّاً، ،لكن لأنه هو، لا سواه، كل الحبّ. وهو ما يعني أن الوجود موجود بمشيئة إعجاز هو الحبّ. هذا في حين تستميت الرواية كي تبرهن لنا أن حبّ الحسّ أيضاً حبّ، بدليل أننا لم نكن لنوجد في الواقع لولا صفقة حبّ، لولا سقطة حبّ، ناسيةً أن سرّ الخصام إنّما يكمن في الموقف من هذه السقطة، التي اغتربنا بفضلها عن حقيقتنا الروحية، لنرتضي هويّتنا الحرفيّة، هويّتنا الوقتيّة. ورسالة الرواية تحريض على هذه الخطيئة البدئية بما هي تحريض على الحسّ. هذا في حين تستبسل الرؤية، في بعدها كفلسفة، في سبيل تصويب الوضع وجودياً، بقبول الجود بالقرابين، للتكفير عن خطيئة الحسّ.

قرابين لن تكون أقلّ شأناً من استحضار بعبعٍ هو الموت، لكي يكون قاضي القضاة في استصدار حكمٍ في حقّ المهزلة.

فالموت، في منطق الرواية، قصاص.

ولكن الموت، في عُرف الفلسفة، خلاص.

نبوءة الرواية ـ تراجيديّة.

نبوءة الفلسفة ـ عدميّة.

فلا مرويّة روائية بلا رؤية فلسفيّة.