إحدى هذه الحقائق هي أن العراق رسميا في حالة حرب مع إسرائيل منذ 1948. بخلاف دول عربية أخرى كسوريا ومصر والأردن ولبنان دخلت هذه الحرب ووقعت اتفاقيات هدنة، لم يفعل العراق ذلك لأن قواته انسحبت من مواقع تمركزها في جنين قبل توقيع هذه الاتفاقيات. يحتاج الطرفان، العراق وإسرائيل، أولا أن ينهيا الحرب بينهما وعقد اتفاقية سلام قبل الحديث عن أي تطبيع بعيد أصلا عن المخيلة والرغبة العراقيتين، الشعبية أو السياسية.

الحقيقة الأهم بخصوص هذا القانون هي أنه لا علاقة له بإسرائيل، بل بالصراعات العراقية بخصوص تشكيل الحكومة المقبلة، أغلبية أم توافقية. لكن يأتي تشريعه كخطوة دفاع استباقية أضطر لها التحالف الثلاثي، المكون من أحزاب سنية وشيعية وكردية، ضد الإطار التنسيقي في خضم سعي الأخير، المدعوم إيرانيا، لتفكيك هذا التحالف وإبقاء التيار الصدري وحيدا، دون حلفاء سنة وأكراد، ليجبر على التحالف مع الإطار وتنتصر التوافقية مرة أخرى.

تهدف استراتيجية الإطار، بدعم إيراني قوي، لإجبار الحليف الكردي للتيار الصدري، الحزب الديموقراطي الكردستاني، البارتي، لمغادرة التحالف بعد فشل المحاولات السياسية الإطارية والإيرانية لإقناع زعيم الحزب، السيد مسعود بارزاني، بترك التحالف. نقطة ارتكاز هذه الاستراتيجية هي النفط، المصدر الاقتصادي الرئيسي للحزب الذي تتوقف على تدفق موارده قدرة البارتي على بقائه القوة الحزبية الأولى والمهيمنة في إقليم كردستان. بدأ الضغط النفطي بإبطال المحكمة الاتحادية قانون نفط وغاز الإقليم في منتصف فبراير الفائت، بحجة مخالفته أحكام الدستور العراقي. ورغم أن القانون فعلا يخرق الدستور لأنه يسمح للإقليم بالتعاقد مع شركات أجنبية لاستخراج النفط وبيعه بعيدا عن الحكومة الاتحادية، تعايشت أحزاب الإطار التنسيقي وشخصياته التي حكمت البلاد منذ 2005 مع هذا القانون المُشرَع منذ 2007، إبان تحالف البارتي معها في الحكم. لم يكن الأمر متعلقا بقانونية الإبطال بل بتوقيته عندما أظهر التحالف الثلاثي تماسكه وسعيه الجاد لإمرار حكومة أغلبية تستثني الإطار. صمد التحالف ولم يغادره البارتي.

بعدها بشهر جاء قصف الحرس الثوري الإيراني لأربيل وإعلان إيران النادر إنها استهدفت عبره خلية للموساد الإسرائيلي في الإقليم (ظهر أن الفيلا المستهدفة تعود لرئيس شركة كردية تعمل في مجال النفط قريب من البارتي). ورغم أن سبب القصف مرتبط أكثر بالصراع الإيراني-الإسرائيلي وليس بالضرورة بتشكيل الحكومة العراقية أو بوجود خلية للموساد فعلا، اتسق القصف مع جهود الإطار لمحاصرة البارتي عبر ترسيخ المقولة المضللة أن الأخير يتعامل مع إسرائيل كجزء من تآمره المفترض ضد الأمن الوطني العراقي. تستفيد هذه الجهود من سعي سابق ومتواصل يغذي الصورة النمطية المغلوطة الأوسع التي تتناوب على ترويجها، في سياقات وأوقات مختلفة، قوى "محور المقاومة" الإسلامية وأخرى غير إسلامية ومفادها أن البارتي، أو الأكراد عموما، هم خنجر في الخاصرة العراقية ويعملون على تفكيك العراق. صحيح أن الأحزاب الكردية العراقية لم تعمل منذ 2003 لصالح بناء عراق فيدرالي ديموقراطي راسخ تقوده المؤسسات الرصينة وليس الصفقات الحزبية، لكن هذه القيادات لا تختلف عن مثيلاتها الشيعية، وعلى نحو أقل السنية، في انتهاج السلوك نفسه الرافض للاستثمار الجدي في صناعة دولة عراقية متماسكة تعددية ومتصالحة مع نفسها.

تستند انتقائية الإطار في اتهامه البارتي بتقويض العراق، وإعفاء نفسه من سلوك مماثل أشد خطورة، على الاستفادة من ملف محرج كرديا يُعتبر أحد أسرار عالم النفط المفتوحة والمتعلق ببيع نفط الإقليم لشركات إسرائيلية. بين عامي 2013 و2014 بدأ نفط الإقليم بالوصول إلى إسرائيل بكميات صغيرة، ما لبثت أن ازدادت بعد مد الإقليم، في منتصف 2014، أنبوبه المستقل عن المنظومة الاتحادية النفطية العراقية إلى تركيا. لا تعلن إسرائيل كميات النفط التي تتلقاها من الإقليم أو غيره، لكن المعروف أنها كميات كبيرة حتى عام 2017 قبل تراجعها بعد فشل استفتاء الانفصال/الاستقلال الكردي وسيطرة الحكومة العراقية على مواقع نفطية في المناطق المتنازع عليها بين بغداد وأربيل. بعكس الشائع عراقيا، التعامل النفطي مع إسرائيل غير مرتبط برغبات سياسية كردية أو تحالف أيديولوجي كردي إسرائيلي ضد العراق، بل هو اضطرار اقتصادي وقانوني كردي في إطار دولة عراقية هشة تتصارع أحزابها العربية والكردية على معناها وعلى مواردها، فيما مؤسساتها عاجزة عن ضبط هذا الصراع وحسمه لخدمة المصلحة العراقية العامة.

تشمل الأسباب الاقتصادية نوعية النفط المنتج في الحقول الكردية المناسبة للتصفية في المصافي الإسرائيلية، في أشدود وحيفا، التي تستلم عادة هذا النفط، إذ تستطيع هذه المصافي تصفية أنواع النفوط المتوسطة والثقيلة المنتجة في الإقليم. ثم هناك قرب المسافة بين موانئ تركية وأخرى إسرائيلية وسعر الشراء المنخفض الذي يعرضه الإقليم مقارنة بسعر السوق. لكن السبب الأهم هو قانوني، فالإقليم لا يستطيع بيع النفط في دول للعراق علاقات دبلوماسية معها بسبب رفع الدولة العراقية دعاوى قضائية فيها تصادر النفط القادم من الإقليم وتمنعه من التصدير إليها، كما حصل في الدعوى الناجحة التي رفعتها وزارة النفط العراقية في 2014 في المحاكم الأميركية لمنع الإقليم من بيع نفطه في الولايات المتحدة، إذ صدر حكم قضائي أميركي حينها لصالح وزارة النفط.

عادة ما يكون رد الإقليم على اتهامه ببيع النفط لإسرائيل نفي التهمة والإصرار على أنه يبيع النفط لشركات خاصة يُمكن أن تبيعه لشركات أخرى تقوم هي ببيعه لمصاف إسرائيلية. رغم أن هذا الرد صحيح من الناحية التقنية ويعكس ما يجري عموما في أسواق النفط العالمية، توحي وقائع وصول نفط الإقليم إلى إسرائيل بعمليات تخف وتغيير هوية متعمدة تنفذها الشركات المشترية ليس معقولا أن تكون خافية عن البائع، الإقليم. تشير بهذا الصدد وسائل رصد حركة السفن الناقلة أن نفط الإقليم يُباع إلى شركات تحمله في سفن لنقله للمشترين ثم، بشكل غريب، تختفي هذه السفن عن وسائل الرصد الملاحي لتظهر تاليا في موانئ أخرى بأسماء مختلفة متجهة نحو موانئ إسرائيلية. يوفر هذا الوضع الملتبس للإقليم إمكانية إنكار تعامل اقتصادي مباشر أو مقصود مع إسرائيل.

النقطة الأضعف التي يستطيع الإطار عبرها استهداف البارتي هي بيع النفط لإسرائيل، رغم أن هذا البيع، في مستوياته الأعلى، كان يجري في سنوات هيمنة الإطار على الحكومة. اقتضت الضرورة السياسية الآن أن يمضي الإطار بعيدا في استهدافه الحليف الكردي الأقوى للتيار الصدري عبر دعواته المتكررة لمنع التطبيع وربطه بالإقليم واعتباره خطرا على العراق والتشيع. تبني الصدريين لقانون تجريم التطبيع ينزع من الإطار أحد أسلحته ضد تحالفهم الثلاثي ويبرزهم كحماة للعراق ضد "خطر التطبيع." عمليا لن يمنع إمرار هذا القانون وصول نفط الإقليم إلى إسرائيل، لكنه يوفر حماية سياسية وبرلمانية من اتهام التعاون معها، فيما يبقى حال الدولة العراقية ضعيفا ومفككا، فقانون تجريم التطبيع لن يضيف لهذه الدولة تماسكا أو يحل مشكلة حقيقية فيها.

يتبع