فالواقع أن بدعة الزينة أيضاً جنس من تقنية، الغاية منها تزوير شخصيّتنا. وهو ما يعني أن هوسنا بارتداء القناع ليس مجرد لعبة لاسترضاء نزوة. ولكنه حلم ينام عميقاً في وجداننا، يتحفنا التاريخ كم هو إفيون في مسيرتنا، ورثنا ذخيرته في حرف الحفلات التنكّرية، التي اعتادت أمم الحداثة أن تمتهنها، استحضاراً لروح الماضي البدائي التليد، عندما كان الانسان يستجير بالأقنعة كلّما أعجزه أن يغيّر ما بنفسه، فيعمد إلى إخفاء سيماء الواقع من باب التعويض. وهو ما سيعني أن اختراع القناع مغامرة أكثر تعقيداً ممّا ظننّا. ولاستجلاء حقيقة القناع، ليس لنا إلّا أن نحتكم إلى ساحة اللغة، مادامت هي الشاهد الوحيد، المخوّل باستصدار حكم في حقّ أي نشاط ذي صلة بهويّة وجودية. فالجذر في كلمة «قناع» هو: قَنّ. وهي تعني في الأرومة البدئية: قَيّدَ، أو عقّدَ. وهو ما تترجمه العربية في مفهوم القنانة. فـ القنّ هو: العبد. لماذا حقّ لكلمة قنّ، أن تعبّر عن عبودية؟

حَقّ للقنانة أن تكون مفهوماً لظاهرة كالعبودية، لأن التاريخ يخبرنا كيف اعتاد الأوائل أن يعاملوا أسرى الحروب، حيث نرث في آثار القدماء، وعلى جدران المسلّات، صوراً تجسّد طوابير المهزومين بأيدٍ معقودة إلى الخلف، فلا يعودوا أحراراً منذ تلك اللحظة، ولكنهم يصيرون، بالقيود، عبيداً. أي أنهم يعتنقون دين هوية أخرى. تختلف جذرياً عن هويّتهم الأصليّة، عندما كانوا ينعمون بما نسمّيه حرية، وننصّبه في منزلة ألوهيّة، وإضاعته، في مفهوم الأمم، رديفٌ لبليّة أرذل حرفياً من الميتة. فأن يقع الانسان أسيراً في يد عدوّ، فهو قبول بالوقوع في القيد. قبول ببنود قيد، يتنازل المحارب بموجبه عن حريّته، مقابل الفوز ببقاء قيد الحياة. وعندما نقول «قيد حياة» فهذا سيعني أن هذا الجنس من القيد هو قدر الكلّ، قدر كل مَن ارتضى الوجود ديناً، كل ما هنالك أن قيد نموذج المحارب المهزوم هو قيد مزدوج، هو الوجود في قيد، (قنَّ)، له حضورٌ داخل قيد آخر هو البقاء، أي أنه قنانة داخل قمقم قنانة، ليتحوّل عقداً (قنَّ) مبرماً مع المنتصر، ليس له إلّا أن يرتضيه، عملاً بالوصيّة الدهرية في حقّ كل مهزوم: «الويل للمهزومين!»، ولكن القبول بالوجود في أغلال القيد لا ينفي عن هذا النموذج، نموذج القنّ، وجود حقوق. ذلك أن كلمة قنّ، في مفهومها البدئيّ، المتداول إلى اليوم في لسان أهل الصحراء الكبرى، إنّما تعني «عقد» أيضاً. والعقد دوماً يبشّر بسلطة قانونيّة. فأن يتنازل الأسير عن حريّته، لا يعني أنه تنازل عن رقبته، لا يعني أنه تنازل عن وجوده قيد الوجود. لهذا السبب حرّمت الأعراف منذ الأزل المساس بحياة كل مَن ارتضى الأسر مصيراً. فـ «قنّ» الذي يضمن الوجود في القيد، في الأغلال، هو ناموسٌ محكومٌ بصون حياة صاحب القيد. هذا الناموس هو الذي تحوّل في ممارسات الأمم تالياً إلى قانون ربوبيّ، مستعار من مصطلح «قنَّ» البدئيّ نفسه، من خلال كلمة: canon، المعتمدة في اللغات الأخرى. فـ can هي «قنّ» المتداولة للتدليل على التقييد، و on هي الإصطلاح الدالّ على مفهوم السموّ. السموّ في أي مبدأ دنيوي يهفو لأن يحقق أبعاداً روحية من خلال التوق لبلوغ منزلة عليا. أي منزلة قدسيّة. ولهذا استعار القانون هذه الهيبة في منطق كل الأمم بسبب هويّته السماوية، بسبب منزلته الألوهيّة، بصفته كـ «عقد مقدّس»، أو «قيد منزّه» عن أهواء الخليقة الأرضيّة، ليغدو، بهذا المستوى، حجّةً مرجعيّة، المساس بها خطيئة لا تُغتفر.

فنحن بارتضاء الوجود في ظلّ القانون، أيضاً أقنان. نحن أيضاً أسرى بموجب العقد الاجتماعي، الذي يبيح لنا أن نحيا في وسط جماعي ملتبس، مقابل أن نتنازل عن نصيبٍ من حريّتنا، فلا يميّزنا عن أقنان الحروب إلّا منطق النسبيّة. فنحن لا نجود إلّا بنصيبٍ محدّدٍ من حريّتنا، في حين يجود بها أصحاب القنانة كاملةً، مقابل أن يبقوا على حضورهم قيد الحياة.

فهل نرجو من وباء الهوس بالقناع مجرد محو سيماءنا الحرفيّة، المدنّسة بآثام هويّتنا الأرضيّة، طلباً لاستنزاف سيماء سماوية، بصمة ربوبية، هي في النهاية نعيم حرية، أم أن ما يستدرجنا لارتداء القناع هو توقنا الغيبي لتحرير أنفسنا من قيد العقد الاجتماعي، الذي هو عقد إلاهيّ، بغرض اقتراف خطايا مبيّتة في حقّ الناموس العام، على طريقة رموز الجريمة في عالمنا اليوم؟

ولكن التحدّي الجدير بالتأمّل هو في كلمة «قنّ» عندما تستعير مفهومها الآخر، الذي تجود به كلمة «كن» كإبدال مشروع وشائع بين الكاف والقاف، لأن الكينونة ضربٌ من قنانة بحقّ. فهي من جانب تأكيد على وجود مبدأ مصنوع. وهو ما تتّفق معنا فيه الكتب المقدّسة أيضاً. فالكون مخلوق، أي مفعول بفعل فاعل، ولكنه إلى جانب ذلك «متقن». هذا الإتقان المترجم في صيغة تقنية، كما تتحفنا به اليونانية القديمة حرفياً في tekné، المستعارة أيضاً من «كن»، المستعارة بدورها من «قنّ» الأصلية. ولكن نزعة التقنين لا تقف عند هذا الحدّ في مفهوم آخر تسوّقه لنا البدئية في مبدأ الاستغلاق. فـ «قنّ» هذه تسرّ لنا بذخيرة أخرى في هذه المفردة المتواضعة هي كون عالمنا مستغلق أيضاً، إلى جانب كونه مصنوعاً، بل ومتقناً في الصّنع. وعلّ هذا الاستغلاق هو كلمة اللغة الأحقّ باستفزاز مواهبنا، لأنها الحجّة الوحيدة التي كانت منذ الأزل، وسوف تبقى إلى الأبد، لغز وجودنا في رحاب هذا الكون المتقن الصنع.

ملاحظة:

اللغات الأوروبية تعتمد كلمة canon (قانون) استعارةً من اليونانية واللاتينية، للتدليل على الناموس في بُعده الكنسيّ. هنا يحقّ لنا أن نتساءل: بأيّ حقّ تصير الكنيسة مقياساً للقانون، القانون كما نستعيره نحن، في العربية، في معاملاتنا الرسمية، لنسوّقه مرجعاً في علاقة الإنسان في تحديد موقفه من أخيه الإنسان؟ السرّ يهديه لنا لسان البدايات، الذي ينتدب كلمة «قنّ» كقيد، أو كعقد، أو حتى كـ عبودية، لكي تترجم موقفها من شهوة الحدود القصوى، كطبيعة في الإنسان، كي يقمع شريكه الآخر في الوجود، ليستولي على الغنيمة بأكملها، بدل القبول بالقسمة، كما يقتضي منطق العدالة. فإذا كان الرهان على العدالة، فلا سبيل لوجود حلّ ما لم نحتكم إلى ساحة سلطة عُليا لها حجّة فرض القسمة بالقوّة. ولمّا كنّا نعلم بأن السلطة الأرضيّة، محكومة دوماً بأهواء الملّة البشريّة، فإن هذا وحده سبب كافٍ لاغتراب العدالة في القسمة، وتعريض العلاقة بين الإنسان وأخيه الإنسان للخطر. وهو ما سيعني عدم وجود مفرّ من استبعاد القضاء الأرضيّ، واستبداله بسلطان أقوى حجّة وهو: المعبود، الذي لم نكن لندمن الضمير لو لم يكن له ملاذاً وحيداً، وما إضافة on (الدالّ على السموّ في اليونانية والمصرية القديمة والليبية القديمة)، على السموّ، لأن مبدأ السموّ أو عروة الربوبية، وحدها تستطيع أن تهب الحصانة الضرورية لكلمة العدالة، لأن القداسة وحدها تستطيع أن تجير القسمة من عبث الهوى، هوى هو في الإنسان طبيعة فطرية، ليستحقّ المصطلح الترجمة في صيغة «العقد المقدّس»، كناية عن القانون.

فما يلعب دور الشفيع هنا هو الهويّة الكنسيّة، لا بوصفها وسيطاً حرفيّاً، ولكن بصفتها كمعبد، بصفتها كبيت المعبود، بصفتها كملاذ منزّه عن التجديف، بالمقارنة مع العدالة بماهيّتها الوضعيّة.

المثير للفضول هو الصيغة اليونانية القديمة في تسمية القناع. فنحن لن نفهم معنى كلمة maská، كما ترد في هذا اللسان، وكما ترثها عنها اللغات الأوروبية، ما لم نستنطق دلالتها البدئية المخفية في الليبية القديمة، كما تجري على ألسنة أحفادهم طوارق الصحراء الكبرى، في ملفوظة «مسكل» ، الدالّة على «التحوّل» أو حرفياً «الإستبدال»، ولم يفعل اللسان اليوناني سوى إسقاط حرف اللام من maska، لاستثقاله إنتهاء  الكلمات بالسواكن، ليتم استبدالها بحرف الـ a الصائت، حرصاً على موسيقية العبارة القرينة للحروف الصائتة كقاعدة. ودلالة «الاستبدال» هنا، أو «التحوير» لن تكون سوى الإعتراف الصريح لوجود نيّة مبيّتة لتزوير يتجاوز حدود ملامح الجسد، ليغوص بعيداً إلى قيعان الروح. وهي حملة بطولية درامية مجبولة باليأس، لأنها باطل بقدر ما هي حلم يراود كلّ منّا، حاول فيلسوف في مقام أنطونيوني، المخرج الايطالي الفذّ، معالجته في ملحمة «المهنة صحفي»، لتفضي إلى مصير تراجيدي، لأن المنيّة هي ثمن تغيير ما كان دوماً صلاحية قدر. من كلمة «مسكل» هذه استعارت العربية مرادف لها في الدلالة وهو: «مسخ» بتعاقب شائع بين الخاء والكاف. و«مسخ» هي نفسها كلمة «مسح» بإبدال شائع بين الحاء والخاء. وهو ما يعني أن الأقنعة ما هي سوى مسوخ، نعتنقها لنفوّضها في تزوير هويّتنا، التي أعجزنا، أن نغيّر ما بها، وذلك بـ«مسح» واقعها مسحاً مبيناً، لنحصل بالمقابل على الـ مسخ، كنتيجة طبيعية للكفر بما كان فينا طبيعة، نلناها هبة مجّان من الطبيعة الأمّ. فالمسح مرحلة في سبيل المسخ، تمرّ عبر المحو. المحو في بعده الأقصى، لإحلال صورة أخرى بديلاً، مع الحرص على الجودة في هذا البديل. الجودة المقنعة لانتداب الفحوى الجديدة وتسويقها كنموذج جدير بالإعتراف. ولكن هل بوسع الصورة أن تستعير خصال الأصل حتى لو تحلّت بمزايا طبق الأصل؟ ألن تبقى مجرد استنساخ؟ وما هو الاستنساخ إن لم يكن تزييفاً، أي هو تجسيد المسخ؟