كنت هناك أنتظر إعلان نتيجة الانتخابات الرئاسية التي توقعتها وظهرت بشائرها، ولا يبقى سوى إعلانها رسميا.

قيس سعيد رئيسا لتونس متغلبا على منافسه في جولة الإعادة نبيل القروي.

وغير بعيد كان المكان يتهيأ لاستقبال الرئيس الفائز لإلقاء أول خطاباته للشعب التونسي.

وبدأت الحشود في التوافد على مبنى المسرح البلدي بطرازه المعماري الأنيق، كانوا يمثلون هذا التنوع البديع في تركيبة الشعب التونسي وإن كان أغلبهم من الشباب، وبدأت الاحتفالات قبل الإعلان الرسمي للنتيجة حتى إذا ما أعلن قيس سعيد رئيسا اشتعل الشارع رقصا وغناءً وهتافات لتونس وشبابها الذي سجلوا الحضور الأبرز في هذا المشهد المثير.

كان هناك من يحاول أن يسرق الانتصار وينسبه لحركة النهضة "الإخوانية" وجماهيرها، وعلى هامش محاولات السطو على هذا الفوز المستحق، تناثرت الشائعات التي تقول إن المتظاهرين احتفالا بالنتيجة هتفوا ضد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وأن أول كلمات الرئيس الفائز حملت هجوما على "الانقلاب في مصر"، ودارت ماكينة الكذب الإخواني ومنصاتها الإعلامية للضرب في ذات الاتجاه.

لم أكن بحاجة لعظيم جهد من أجل تفنيد الادعاءات الإخوانية فقد كنت حاضرا في المشهد الانتخابي من بدايته سواء في الانتخابات البرلمانية أو الرئاسية، وحتى إعلان النتيجة وبدء الاحتفال بالفوز.

وساهمت مع زملائي الرائعين في سكاي نيوز عربية في متابعة الحدث وتفكيك عناصره وقراءة دلالاته وخرجنا بتغطية كانت الأسرع والأدق فكنا لهذا السبب في مرمى نيران الأكاذيب الإخوانية.

قلت ببساطة إن من يدعون أنهم كانوا سببا في فوز قيس سعيد فقدوا أغلبيتهم في البرلمان، ثم حل مرشحهم ثالثا في السباق الرئاسي، وأن آلية التصويت العقابي ضدهم وضد جل من شاركوا في حكومات ما بعد الثورة كانت أحد عناصر انتصار هذا المرشح القادم من خارج الأطر الحزبية والسياسية التقليدية، وأن الشباب الساعي لتغيير حقيقي في بنية النظام الحاكم اختار أستاذ الجامعة الذي ظهر في صفوف الثائرين وحلقات نقاشهم في اعتصامات القصبة وشارع الحبيب بورقيبة.

 الشارع الحبيب

في عام 1987 وبعد أن قفز الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي على كرسي الحكم، أمر بإزالة تمثال الحبيب بورقيبة من الشارع. وفي عام 2016 وفي الاحتفال بالذكري الستين لاستقلال تونس أمر الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي بإعادة التمثال إلى موقعه في بادرة لرد الاعتبار لزعيم حركة الاستقلال التونسي.

وقبلها بنحو خمس سنوات شهد الشارع المظاهرة الأضخم في مظاهرات الثورة التونسية واحتفل الشعب برحيل بن علي.

هذا الشارع الذي يخطفك لحظة دخولك إياه ليجول بك في لوحة التاريخ التونسي متعددة الألوان كان على موعد جديد مع المظاهرات يوم أمس 18 سبتمبر 2021.

كانت مظاهرات بجناحين: الجناح الأول يتظاهر ضد الرئيس قيس سعيد وقراراته الأخيرة، أما الجناح الآخر وهو الأكبر والأكثر عددا فكان لأنصار قيس سعيد ممن دعموه ووقفوا إلى جانبه في محاولاته التصدي للسياسات الإخوانية وممارسات حركة النهضة وزعيمها راشد الغنوشي.

هذا المشهد يمثل دون شك تطورا في جدلية الصراع بين الجناحين، بغض النظر عن حجم كل منهما وحدود تأثيره وحضوره في المشهد التونسي.

والشارع الذي يحمل تاريخا عريضا في كل ركن من أركانه بات مسرحا لهذا الصراع.

إن حركة النهضة وأنصارها الذين باغتهم الرئيس قيس سعيد بقراراته في أواخر يوليو الماضي يحاولون إعادة ترتيب الأوراق وتنظيم صفوفهم من أجل التحرك لمواجهة الرئيس وإجراءاته، وهم في سعيهم هذا قد يختبؤون خلف قوى سياسية واجتماعية أخرى هربا من مواجهة مباشرة مع المواطنين هم يعلمون أكثر من أي طرف آخر أنهم سيخرجون منها خاسرين، لكن الخوف الأكبر من أن تتسع دوائر هذا التحرك المناهض للرئيس، حتى وإن بقي أقل من دوائر التأييد، لأنه في هذه الحالة ستتسع دوائر الاستقطاب الشعبي وهو ما سيربك بالتأكيد حركة التغيير التي ينشدها الشعب التونسي من أجل غد أفضل.

ثم ماذا بعد

إن المطلوب الآن هو اصطفاف شعبي للخروج من المأزق الحالي بأفضل النتائج دون الدخول في دوامة التحركات الاحتجاجية التي وإن كانت تعبر عن حيوية الشارع التونسي إلا أنها قد تلحق ضررا بالغا بخطط الفكاك من الأزمة الاقتصادية الحالية.

إن المطلوب الآن هو الدعم العربي بالأساس لهذا البلد العربي المهم حتى يتمكن من عبور تلك المرحلة المهمة من تاريخه، دون أن يعود مجددا إلى ساحة الاستقطاب الجماهيري التي يجيد الإخوان توظيفها واستغلالها لخدمة أهدافهم.

بالتأكيد فإن الخسائر المتوالية التي يتعرض لها تنظيم الإخوان في كل الأقطار العربية يمثل إضافة مهمة لموقف الجبهة المناهضة للإخوان وتماسكها، لكن التعويل على هذا العنصر وحده ليس كافيا في ظل معطيات سياسية متغيرة تموج بها المنطقة.

أنا أعرف جيدا حساسية الأشقاء في تونس تجاه المشاركة في قراءة وتحليل التفاعلات السياسية في بلدهم، لكن شعوري بالانتماء لهذا البلد البديع الذي احتفظ فيه بصداقات عميقة مع قطاعات متنوعة من أبنائه يجعلني أناشدهم تفويت الفرصة على من يحاولون إذكاء الخلافات وإثارة الفتن في صفوفهم، وهم كما قال شاعرهم: إن أرادو الحياة فلا بد وأن يستجيب القدر. وهم أرادوا الحياة وسيستجيب لهم القدر.